فلم ( نازا NAZA ) و ضَمير اللُّغة
عن اللغة التي تُعيد تصفيط الضمير في أدراج النسيان…!


مِنْ دَفْتَرِ الأَطُر
ضَــمــيرُ الـــلُّـــغَـــة
رُسُل الحَسني
عن اللغة التي تُعيد تصفيط الضمير في أدراج النسيان…!
〔 ١ 〕
ثمة اختراع بشري يستحق أن يُضاف إلى قائمة الاختراعات العسكرية التي جاد بها علينا المجهود الحربي بعد الحربين العالميتين: اختراعُ اسمٍ كيوت لفعل قاسٍ …!
الحرب على ما يبدو، لم تكتفِ بأن تتطور أسلحتها وتقنياتها وطرائقها، أرادت أيضًا أن تخترق سوق جديد وتطوّر أخلاقها، صار من الممكن أن نتحدث عن موت الناس بلسان محاسب، وأن نصدر بيانات ببرود محررٍ إخباري وأن نعود في المساء إلى بيتنا وقد غسلنا ايدينا من الدماء والمسؤولية، كل هذا فقط لأننا أحسننا اختيار المفردات في خطابنا وحللنا المعادلة الصعبة بين الجلاد والضحية، وهذه لعمري نقلت البراعة الأدبية من مقاهي المثقفين على الناصية، لأعلى طابق في عمارات المراكز البحثية حيث تنطبخ البراعة الإدارية.
ولو قُدّر لجورج أورويل أن يجلس أمام نشرة أخبارنا اليوم، ستشعر بريطانيته بالرضا المهني، مع كثير من الخيبة الإنسانية، فقد كتب سنة ١٩٤٦ مقاله الشهير (السياسة واللغة الإنجليزية) ، محذّرًا من قدرة الخطاب السياسي على تقديم الأفعال القاسية في مفردات مهذبة، حتى يكاد الفعل يفقد وقعه الحقيقي في ذهن السامع.
كان أورويل يخشى أن تفسد السياسة اللغة، ثم تعود اللغة الفاسدة فتفسد قدرتنا على التفكير النقدي، وهي ملاحظة عبقرية، لكنها تستحق اليوم إضافة صغيرة: ماذا يحدث عندما لا تعود اللغة مجرد وسيلة لتبرير القرار، بل تدخل في تصميم القرار نفسه؟
〔 ٢ 〕
بعد عشرين عامًا تقريبًا من مقالة أورويل، وقعت هزيمة حزيران ١٩٦٧. وفيما راحت البلاغة الرسمية العربية تبحث عن تعبيرات تليق بالمقام، خرج نزار قباني بكل غضبه في قصيدة (هوامش على دفتر النكسة) ، ليفعل ما لم يفعله أحد في حينها ؛ أن يُزعج العسكر ويضع أمامهم مرآة الواقع ويُمنع من دخول مصر على إثرها.


أورويل اراد تحرير الحقيقة من عباءة الكلمات، ونزار اراد تحرير الإنسان من الكلمات التي تعبث بإدراكه وتسكره أمام الحقيقة، فالهزيمة التي تُسمّى نكسة أخفّ وقعًا على الأذن من الهزيمة التي تُدعى باسمها، وقد يكون للمصطلح تفسير تاريخي أو سياسي، لكنه يكتسب وظيفة أخرى عندما يصبح وسيلة للهروب من مراجعة الذات.
ومن هنا تبدأ سلطة القاموس.
فالسلطة لا تحتاج دائمًا إلى منع الناس من الكلام، هذه (دقة قديمة)، يكفي أحيانًا أن تمنحهم مجموعة جاهزة من الكلمات ليختاروا من بينها حالهم حال النملة التي تواجه أصابعك في كل اتجاه.
〔 ٣ 〕
في ١٣ شباط ١٩٩١، تعرّض ملجأ العامرية في بغداد لضربة جوية أمريكية أودت بحياة مئات المدنيين، وفق تقديرات وثّقتها منظمات حقوقية، قالت القيادة الأمريكية إنها استهدفت منشأة اعتقدت أنها تُستخدم للقيادة والسيطرة العسكرية، غير أن المراجعات الحقوقية أثارت أسئلة جدية بشأن التحقق من طبيعة الموقع و استمرار استخدامه ملجأً للمدنيين.
تستحق العامرية أن تُدرس لا بوصفها حادثة في تاريخ الحرب وحده، وإنما بوصفها امتحانًا للعلاقة بين ثلاثة أشياء: ما اعتقده صانع القرار، وما فعله، وما استطاع أن يقوله بعد ذلك، في البيان العسكري يكون الهدف في متن الخريطة ويأتي المدنيون في موقع الهامش، ومن هذه الالاعيب النحوية خرج أحد أكثر التعبيرات العسكرية تداولًا:
Collateral Damage.
الأضرار الجانبية.
يا لها من عبارة أنيقة! لا يظهر فيها فاعل، ولا تشير إلى إنسان بعينه، أما كلمة «جانبية» فتضع الضرر على هامش شيء آخر، وتمنح القارئ انطباعًا بأن الحدث الأهم وقع في مكان ما بعيدًا عنه ، مع شوية (فكة).
(أقتلك … والبقية تأتي..!) كما يقول نزار – بتصرف
إنتبه ؛ ما يكون هامشًا في تقرير العمليات هو المتن كله في حياة أسرة.
〔 ٤ 〕
وفي سنة ١٩٩٩، خلال حرب كوسوفو، اكتسب التعبير الألماني Kollateralschaden حضورًا واسعًا في الخطاب الإعلامي والعسكري، وهنا وقع حدث لغوي لافت، اختارت لجنة (الكلمة المرفوضة في العام) الألمانية التعبير نفسه بوصفه كلمة سنة ١٩٩٩ الأسوأ، وأُعلن الاختيار في كانون الثاني ٢٠٠٠. كان اعتراض اللجنة على التسفيه من موت الأبرياء بتقديمه كما لو كان أمرًا جانبياً.
صحيح أن اللجنة لا تملك الشبح ولا مقعدًا في مجلس الأمن، لكنها تملك حق الاعتراض على المفردة والتوعية، كما فعلها نزار وقبله جورج اورويل ..
وذلك شكل من أشكال التفكير النقدي قلّما نعيره اهتمامًا.
〔 ٥ 〕
ولإنصاف اللغة العسكرية ، مصطلح الضرر الجانبي له وظيفة فعلية في القانون الدولي الإنساني، للتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين، ويحظر الهجمات التي يُتوقع أن تُحدث ضررًا مدنيًا مفرطًا قياسًا إلى الميزة العسكرية المتوقعة.
الحساب القانوني ضروري ، وتقدير الضرر ومحاولة منعه واجبان، لكن الخطر يبدأ حين يصبح وجود خانة نملأ فيها عدد المتضررين (جانبياً) بدلاً عن مساءلة القرار الذي أنتجه هذا العدد!
عالم الاجتماع ستانلي كوهن، صاحب كتاب (حالات الإنكار) الصادر سنة ٢٠٠١. درس كيف يستطيع الإنسان أو المجتمع أن يعرف شيئًا مزعجًا، ثم يتجنب الاعتراف بمعناه الكامل. ومن بين أدوات هذا الهروب ما يمكن تسميته بالإنكار التفسيري: نحن لا ننفي وقوع الحدث، بل نعيد وصفه حتى يخف وقع دلالته الأخلاقية على الرأي العام.
〔 ٦ 〕
أقترح فهم هذه العملية التي تتكرر في كل حرب وأزمة، في ثلاث تاءات :
تاء التسمية
ثم تاء التجريد
ثم تاء التطبيع.
في المرحلة الأولى تعمل اللغة على الذاكرة. وفي الثانية تعمل على المعرفة. أما في الثالثة فتبدأ بالعمل على السلوك.
قالها وزير الدعاية النازي د. جوزف غوبلز بطريقته الحادة الخالية من التزويق ؛ إكذب .. إكذب .. إكذب … حتى يصدقك الناس.
وهذه قمة الجانب المظلم للغة!
〔 ٧ 〕
وفي الفيلم الوثائقي NAZA، الذي كان مدخل حلقتي على اليوتيوب رابطها تعود العبارة نفسها بلسان آخر، فالاسم مشتق من تعبير عبري للضرر الجانبي NEZEK AGAVI ، بينما يتناول الفيلم شهادات عن إجراءات الاستهداف والقرارات العسكرية في غزة.



ولعلّ هذا ما ينبغي أن نتعلمه أخيرًا من أورويل ونزار وكوهن ومن تلك اللجنة الألمانية الصغيرة: ليست شجاعة الكاتب في أن يجد تعبيرًا أشد وقعًا للكارثة، بل في أن يمنع التعبير المريح من أن يحل محل الحقيقة.
فإذا كان للغة أن تؤدي خدمة أخيرة للإنسان، فلتكن إعادة الإنسان إلى مركز الجملة.
⁂
أخطر ما تصنعه السلطة لا أن تغيّر أسماء الأشياء،
وأنما أن تجعلنا نعتاد الأسماء الجديدة،
حتى يغدو السؤال عن الإنسان
اعتراضًا غير مقبول
والضمير خارج
الحساب.
رُ
وهسة ….

سِردَابُ الشَواهِد :
The Guardian | NAZA (2026)
Human Rights Watch | Needless Deaths in the Gulf War (1991)
U.S. CENTCOM | Mosul Investigation (2017)
ICRC | The Principle of Proportionality
+972 Magazine | Lavender Investigation (2024)
