اليوم التالي للإستقالة …

من يدير وقتك حين لا يديره أحد؟

خلال أربع سنوات جرّبت أكثر من ثلاثين أداة للإنتاجية، وفي مرحلة متقدمة من المرض، صار عندي نظام ممتاز جدًا لتوثيق الأشياء التي لا أنجزها. كان أنيقًا، مرتبًا، ملونًا، ومربوطًا ببعضه ربطًا هندسيًا يجعل ستيف جوبز فخوراً بي في ترتبته.

وهنا ينتهي الانجاز، أما التاسكات نفسها فلم تكن تُنجز.

مِنْ دَفْتَرِ الإنتاجية

« اليوم التالي للإستقالة … »

رُسُل الحَسَني

لعشر سنوات تقريبًا لم تكن عندي هذه المشكلة أصلًا، كانت حياتي منضبطة بصورة تدعو إلى شيء من الغرور: أستيقظ قبل العمل، آكل حوله، أتمرن بعده، وأنام استعدادًا لليوم التالي.

كنت أظن أنني إنسانة منضبطة جداً،  ثم خرج الـ9–5 من حياتي، وهنا اكتشفت الحقيقة : أنا لم أكن منضبطة جدًا، كنت موظفة جيدة جدًا.

كان هناك شخص، أو بالأحرى مؤسسة كاملة، تقول لي كل يوم: الآن ابدئي، الآن توقفي، هذا صباح، هذا مساء، هذا يوم عمل، هذا يوم عطلة، وغدًا عندك Deadline … لا داعي للتفكير كثيرًا، نحن نفعلها!

حين رحلت الوظيفة حصلتُ، تكنكلي، على الشيء الذي كنت أريده: الحرية.

عمليًا، اختفى الشخص المزعج الذي يقول لي إن الساعة الآن عشرة، وإن الشيء الذي بدأت به في العاشرة لا ينبغي أن يستمر حتى الثانية ظهرًا من الاسبوع التالي، صرت أقوم وأقع بحفر جانبية إحداها عن ٣ طرق لتسمية مجلد على Google Drive وأخرى عن كيفية تجهيز تخميرة جص للخلفة وآلية استخدام الملاج ..!

أرفع رأسي فأجد أربع ساعات قد مرت.

ماذا فعلت؟ أشياء كثيرة والله … ولا شيء منها يصلح أن أتباهى به كتاسك منجز، ٩٠٪ منها تعفن دماغي.

وقد تناولتُ في حلقة على قناتي مصطلح (التعفن الدماغي)

بدأت أنتبه إلى شيء عند كثير من المصابين بـADHD و غير المصابين وهو  Time Blindness: الزمن موجود، الساعة على الحائط تشهد، التقويم غير شفاف! لكن لا علاقة بيننا. الوقت صار سائل ينسكب من بين أصابعي بلا شعور، العاشرة لا تبدو مختلفة كثيرًا عن الثانية عشرة  و”بعد قليل” وحدة قياس واسعة قد تمتد من سبع دقائق إلى قيام الساعة.

الـ9–5 لم يكن مجرد وظيفة، كان سقالة / سكلة  Scaffold ، شيء خارجي نثبت فوقه أشياء كثيرة لم أكن أعرف أصلًا أنها متكئة عليه، وحين سحبت ثماني ساعات من منتصف اليوم وقلت: جميل، أصبحت حرة لم أنتبه أن السقالة سقطت معها، وفعلت بعدها ما يفعله أي إنسان عاقل حين يفقد النظام: بدأت أشتري أنظمة.

Notion. Todoist. Trello. ClickUp. Obsidian. تقويمات. Habit Trackers. Pomodoro. Apple Watch.

ثم عدت إلى الإكس … Notion … لأن الإنسان يعود أحيانًا إلى الأماكن التي آذته كنوع من جلد الذات. Notion كان ذروة العبث الجميل، بنيت Database، ثم احتاجت الـDatabase إلى Database أخرى كي تفهمها، ثم ربطت الاثنين بمعادلات و رول ابس و ريليشنز، ثم أنشأت Dashboard حتى أرى الـDatabases كلها من علٍ، لا ينقصني الآن سوى قسم IT ليديره ..!

ثم صار عندي، في مرحلة ما، ما يشبه غرفة قيادة من تصميم جورج لوكاس في ستار تريك ، كل هذا لإدارة ثلاثة مشاريع كونية: آكل، أنام، أعمل.
هذه الأنظمة تمنحني دوبامين لذيذ جدًا يشبه العمل، ثم تنظر إلى شاشتك وقد أنجزت شيئًا شديد الدقة و الرقي والهندسة والتكنولوجية لكن  لا أثر له خارج Notion، كنت أمارس Data Entry على حياتي.

وبدأت أشك أن المشكلة ليست في الأدوات، وإنما في فهمي للعطل، هنا خطر ببالي بنجامين فرانكلين Benjamin Franklin.

كنت أعرف نظام بنجامين فرانكلين من قبل، لكني لم آخذه بجدية، بدا لي بسيطًا أكثر من اللازم، وفي رأسي وقتها، النظام إذا لم يكن معقد في الـBackend  فهل يستحق أصلًا أن نسميه نظامًا؟
وجدت جدوله اليومي في سيرته الذاتية، رجل من القرن الثامن عشر يقسم يومه إلى كتل، يبدأ صباحه بسؤال عمّا سيفعله من خير في يومه، ثم يعود في الليل لينظر ماذا فعل. لا Apple Watch و لا Notification يخبره أن عليه الوقوف لأنه جلس منذ خمسين دقيقة.

ومع ذلك كان يدير يومه بفاعلية و بطريقة تثير الغيرة الحميدة، اليوم عنده لم يكن قائمة مهام، وانما مجموعة صناديق، فالمهمة من دون زمن، تشبه أثاثًا اشتريته قبل أن يكون عندك بيت يحويها، جميل، لكن أين أضعه؟

ثم تبدت معضلتي، أنا أبحث عن Anchors!

أركان. أشياء ثابتة أربط بها اليوم، عمودًا فقريًا يبقى قائمًا مهما تبدّلت حوله الحياة. بشرط: لا أريد الـ9–5 مرة ثانية! حتى نسخة Cartier x Travel W. Simon صارت على قائمة مشترياتي لتذكيري بهذا، ثم التروما دخلت النقاش ؛ إذا بنيت يومي كله حول الوظيفة، ثم اختفت الوظيفة؟ سيختفي اليوم معها مجدداً، أريد شيئًا لا يتغير كلما تغير عقد العمل. شيئًا لا يسأل إن كنت موظفة أو Freelancer، إذا كنت في عمان أو في سفر، إذا عندي مشروع أو في إجازة. 
والحُلو أننا لم نحتج الى أختراعه، المعمار موجود أصلًا، الفجر، الظهر، العصر، المغرب، العشاء ؛ الصلوات الخمس.

وقد جسّد المعنى عمليًا العالم العراقي بشار عودة ذو الـ 89 عامًا مع ثمانية @thmanyah : يبدأ بالفجر، يمشي نصف ساعة، يفطر السادسة، يعمل من السابعة حتى صلاة الظهر، ثم يعود إلى عمله من الثانية حتى صلاة العشاء، يتعشى وينام. الصلاة هنا ليست بندًا في الجدول؛ إنها الهيكل الذي ينتظم الجدول حوله.

خمسة مواعيد كانت تمر خلال يومي منذ سنوات، وأنا أتعامل معها كأنها مواعيد ينبغي أن أجد لها مكانًا داخل الجدول، فجاء الانقلاب ؛ لماذا تكون الصلاة داخل الجدول؟ لماذا لا يكون الجدول نفسه بين الصلوات؟ هنا فقط بدأت الفكرة تستقيم في رأسي، الفجر إلى الظهر: صندوق / الظهر إلى العصر: صندوق / العصر إلى المغرب: صندوق / ثم المساء. لا أحتاج أن يكون طولها متساويًا، ولا أن أملأها كلها، ولا أن أتحول إلى سفيرة أدوات Productivity، أنا فقط أحتاج أركان وحدودًا.

بداية ونهاية.

لأن أسوأ ما في اليوم المفتوح أنه يحوّل مرور الوقت إلى شعور بالذنب، كل ساعة تمضي تشعرك أن قطعة من عمرك انزلقت معها بلا عودة، وإذا ضاع الصباح، قد تحمله معك في رأسك  كقلق anxiety حتى الليل.
لكن حينما صرت أفكر بوقتي بنظام الصناديق، تبدأ جلسة عملي بأذان و تنتهي بأذان، أصبحت الصلوات نفسها Transition Cue، صفارة نهاية، ومسدس انطلاق في الوقت نفسه، ثم Reset، ثم جلسة أخرى والصباح الذي فشل لا ينتقل فشله الى العصر.

ولكن بقيت عندي مشكلة صغيرة لم أستطع تجاوزها: كل الأدوات التي أستعملها كي أقلل التشتت… تعيش داخل الجهاز الذي يشتتني، أفتح الهاتف لأرى المهمة، يمر إشعار، ثم رسالة، ثم رابط، ثم أستيقظ بعد عشرين دقيقة وأنا أشاهد مرة أخرى ذات الخبطة الجصية و طريقة إستخدام المالج عند خلفات العراق (سنسكريتي أعرف)! 

الفكرة في رأسي بسيطة ، ليس ضروريًا أن يحمل عقلك كل شيء، يمكن أن تجعل البيئة تحمل بعض العبء عنه، الورقة تتذكر بدلًا منك، المكان يذكرك، الشيء الموضوع أمامك يصبح إشارة، البيئة نفسها تدخل في النظام.

وهنا، بعد أكثر من ثلاثين تطبيقًا، وصلت إلى أعظم breakthrough في مسيرتي الإنتاجية منذ المكعب الأسود، الذي أحببته لدرجة أنني أحتاج إلى تذكير نفسي بأنني لم أخترعه : صممت قطعة مادية على مكتبي، لا Wi-Fi، لا اشتراك شهري، لا تحديث 4.7.2، أصبحت أرى الفكرة أمامي مجسدة و المسها باليد. (لن أدرج صورة المنتوج المبدئي MVP لإن شكله عبثي حالياً.)

لم أكن ابحث عن تطبيق بقدر بحثي عن عن ملمس للزمن ، شيء يجعل اليوم مرئيًا و يخفف العمى الزمني time Blindness. شيء ينقله من مفهوم سائل في رأسي إلى حدود أراها وألمسها، وهي فكرة وجدت لاحقًا أنها تلتقي مع علم الإدراك أكثر مما توقعت: الدماغ نفسه لا يتعامل مع التجربة كتدفّق متصل فقط، وإنما يقطّعها إلى أحداث تفصل بينها Event Boundaries.

ثم وجدت http://DeepDay.app …. لحظة ليس إعلان. صاحبه المهندس @4EslamSalah اسلام صلاح. تطبيق مبني حول مواقيت الصلاة، أو أركان أخرى يختارها المستخدم. ظهر أمامي منشوره على الفيسبوك فاطمأننت أخيرًا أنني لم أتخيل هذه المعاناة؛ هناك شخص آخر عاشها تقريبًا بالملّي … ولم لا تصبح الفكرة ملموسة باليد مستقبلا.

بعد أربع سنوات وأكثر من ثلاثين أداة، أنصف Notion هنا : ممتاز كـSecond Brain، لكنه يضعف الجانب التنفيذي، لإن العطل الجذري ليس في الـ Task Management وفقه الأولويات وقواعد بيانات، وانما كانت علي مستوى إدراكي عميق في فهمنا لل Time Architecture: حدود، مراسٍ، وإشارات بدء وتوقف تمنع الوقت من الانزلاق.

هذا المقال يتناول الإنتاجية وشيء من عقلية العمل الحر من باب الأدوات حصراً، مستبقلاً سأتناول الطبقة الادراكية التي تحكم هذا النوع من التحديات ولعلي تناولت بعضها في قناتي اليوتيوبية.

وهسة تفضلوا ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

Please consider supporting us by disabling your ad blocker!