كتابُ الأُمِّيِّين … وجائزة اليُونِسكو

والدولةُ التي أخذت جائزةً لأنها علَّمت الكبار القراءة

مِنْ أَرْشيفِ الدَوْلة

كتابُ الأُمِّيِّين

والدولةُ التي أخذت جائزةً لأنها علَّمت الكبار القراءة

رُسُل الحَسَني

في الصور المرفقة كتابٌ عنوانه لا يعرفُ حيل التسويق و والـBranding قط، ولا يخشى جرح المشاعر:

كتابُ الأُمِّيِّين،

لا (تمكين معرفي) ولا (مبادرة مهارات الحياة)، انت أُمّي؟ أمّي انت؟  تفضّل، هذا كتابك بيمينك وبلا أدنى تنمر أو hard feelings الحياة كانت بسيطة قبل التصويب السياسي.

 هذا الكتيّب الصغير حكاية، فبعد تغير النظام في عام 1958 توسعت مراكز تعليم الكبار، وعقدت نقابة المعلمين في الثالث من تموز عام 1959 مؤتمر مكافحة الامية شارك فيه ممثلون عن النقابة ووزارة المعارف والاتحاد العام لنساء العراق، سُجل (918) أميا , (889) من الذكور , (29) من الاناث وفتحت (27) مركزا لمكافحة الامية .

العراق لم يكن قد اخترع المشكلة ولا الحل، لكنه احسن استثمارهما،  فقبلها بسنوات كان العالم كله يسأل السؤال نفسه: كيف تبني دولة حديثة إذا كان جزء كبير من مواطنيها لا يستطيعون قراءة بوستر توعوي او تعبئة فورم حكومي تصدره الدولة؟

في 1965 اجتمع وزراء التعليم في مؤتمر عالمي بطهران برعاية اليونسكو، وخرجوا بفكرة كانت متقدمة في زمانها: الأمية ليست نقصًا في الأبجدية فقط؛ إنها عائق أمام التنمية وكرامة الإنسان ومشاركته فيها، وبعدها أطلقت اليونسكو مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تجربة الـFunctional Literacy: لا تعلّم الإنسان ( أ ، ب ، ت ، ث ) كي ينجح في الإملاء، وانما كي يستخدم القراءة والحساب في عمله وحياته.

العراق أخذ الفكرة… سوالها upgrade …

مُهندس مَحو الأمية 〕

قبل قانون 1978، كان هناك مؤتمر بغداد لمحو الأمية سنة 1976 تحت شعار (نحو حملة شاملة لمحو الأمية) والاسم الأبرز في وثائق المؤتمر كان وزير التربية آنذاك محمد محجوب الدوري، الذي لُقب بـ (مهندس محو الأمية)، بشعاره لا مكان للتنظير، المديرية العامة للتخطيط التربوي وضعت بدائل زمنية للحملة: ثلاث سنوات، خمس سنوات، وحتى خططًا مختلفة للذكور والإناث، وتظهر في أوراقه أسماء تربويين مثل مسارع حسن الراوي والسعيد السيد شلبي في قضايا التكامل والجدولة والتنفيذ، ثم جاءت الحركة الأبرز، عام 1976 صدر قانون التعليم الابتدائي الإلزامي، وعام 1978 صدر قانون الحملة الوطنية الشاملة لمحو الأمية الإلزامي رقم 92، مستهدفًا الأميين بين 15 و45 عامًا، وأنشأ مجلسًا أعلى تشترك فيه التربية والتخطيط والإعلام والدفاع والمنظمات المهنية والشعبية.


مهندس محو الأمية … تم إعدامه لاحقا في أحداث قاعة الخُلد … !

والإلزامية التعليم (ضربة مُعلم) ، فلو عندكم خزان اسمه (الأُمّية)، هذا الخزان ممتلئ بكبار لم يتعلموا القراءة والكتابة، وفوقه حنفية تضيف إليه كل سنة أطفالاً يتسربون من المدارس، الآن لو أطلقتم حملة لمحو أمية الكبار، راح تبدؤون بتفريغ الخزان، لكن المشكلة أن الحنفية ما زالت مفتوحة، وكلما علّمتم مجموعة دخلت مجموعة جديدة، ولهذا جاءت فكرتان تعملان معاً، التعليم الإلزامي ليمنع تسرّب أجيال جديدة إلى الأمية، ومحو أمية الكبار لتقليص ما تراكم منها عبر السنين، هذا في علم تصميم السياسات (Policy Design) يبدو حلاً بسيطاً، أغلق الحنفية وفرّغ الخزان، لكن انتبهوا، إصدار قانون يلزم الطفل بالمدرسة أسهل بكثير من ضمان بقائه فيها، وإقناع إنسان بالغ بالعودة إلى التعليم بعد عشرين سنة ليس كإدخال طفل إلى الصف الأول، وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

⁂

〔 نَحَباني لَلوْ 〕

تحت موس الحلاق


حجي راضي وعبوسي سبِقا هذه القوانين ، (تحت موس الحلاق) عُرض في الستينيات، ومن أشهر حلقاته دخول رجال المحلة البغدادية صفوف محو الأمية: الحلاق، والعامل، والبقال… يتعلمون ويغلطون ونضحك عليهم، وتصِف شهادات عن المسلسل كيف أصبحت هذه الصفوف مألوفة للجمهور وشجّع المسلسل الناس على تقبل الخطأ والتعلم.

هذه Social Policy عبر الكوميديا في أبهى صورها ، القانون يستطيع فتح الصفوف؛ لكن بالثقافة وحدها يدخل الإنسان الصف بلا يخجل و تردد.

⁂

〔 جَائِزة اليُونسكو 〕

حين بدأ العراق حملته الوطنية لمحو الأمية سنة ١٩٧٨، كان نحو نصف العراقيين بين الخامسة عشرة والخامسة والأربعين لا يجيدون القراءة والكتابة، وبعد أقل من عقد هبطت نسبتهم من ٤٨٫٤٪ إلى ١٩٫٩٪، أي أن الحملة نجحت في تقليص المشكلة بأكثر من النصف داخل الفئة المستهدفة، وفي أيلول 1979 ، منحت اليونسكو جائزة ناديجدا كروبسكايا لمحو الأمية إلى المجلس الأعلى للحملة العراقية، مشاركةً مع اتحاد نسائي في بيرو، تقديرًا للحملة الواسعة، وفي ذلك الوقت كانت تقارير صحفية تتحدث عن أكثر من مليوني عراقي يدرسون في عشرات آلاف صفوف محو الأمية.

زين… أين ذهب كل هذا؟ ؛

〔 رِحلتنا من مَحُو الأمّية إلى نَحُو الأمّية 〕

أُعدم مهندس محو الأمية ، ثم دخلت الحرب العراقية الإيرانية، ثم العقوبات، ثم 2003 وما تلاه، وفي ١٩٩١ تعطلت معظم برامج تعليم الكبار وتعرض النظام التعليمي لعقود من الاضطراب، وفي 2011 اضطر العراق إلى تشريع قانون جديد لمحو الأمية، ثم أطلق حملة جديدة في 2012، والمفارقة أن قانون 1978 نفسه كان يفترض أن الحملة لن تعيش إلى الأبد إمعانا بالتفاؤل و أنها مرحلة مؤقتة لن تحتاج لتمديد أو إعادة اطلاق.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود، عاد العراق ليطلق حملة وطنية أخرى، وفي ٢٠٢٤ ظلّ واحد من كل خمسة عراقيين فوق الخامسة عشرة غير ملمّ بالقراءة والكتابة، بمعدل إلمام بلغ ٨٨٫٤٪ للذكور مقابل ٧٣٪ للإناث، فيما سجّل التعداد أمية عامة بلغت ١٥٫٧١٪، ترتفع في الريف إلى ٢٣٫٠٤٪، وفي آب ٢٠٢٦ عادت وزارة التربية تناقش برنامجاً جديداً يمتد حتى ٢٠٢٩، أي بعد نحو سبعة عقود من (كتاب الأميين)، ما زلنا ندور حول الطاولة نفسها.

ولو أعدنا طباعة (كتاب الأمّيين) اليوم، فلن تكفينا الأبجدية، فنحن بحاجة إلى حملة لمحو أمّيات من نوع آخر غير محو أمية الوظيفية Functional Literacy، أمّية مالية تعلّم الناس التمييز بين القرض والمصيدة، ورقمية تكشف الفرق بين رابط المصرف ورسالة النصّاب، وإعلامية تميّز الخبر من التلفيق والصوت المصنوع بالذكاء الاصطناعي، وصحية وقانونية تساعد المواطن على فهم وصفة الدواء وبنود العقد قبل التوقيع، فقد تطورت الأساليب منها أساليب الاحتيال، وصار النصّاب يتعلم التكنولوجيا أسرع مما نتعلم الحماية منها، والمفارقة أن العراقي الذي أمضينا عقوداً نعلّمه قراءة الرسائل، قد يخسر اليوم مدّخراته لأنه صدّق واحدة منها، لقد علّمنا الناس كيف يقرؤون، وبقي أن نعلّمهم كيف لا يُخدعون بما يقرؤون.

الدرس من كل هذا لم يكن في الكتاب وحده، كان في شبكة ضمّت المعلم، والتلفزيون، والقانون، والوزارة، والمحافظة، والميزانية، والمدرسة…

كـانوا ينـظرون إلـى المـشكلة نفــسها ، ثم تـفرّقت السلسلة،
وهُجر الكتابُ، وأغلق باب الصفُّ و تقاعد حجي

راضي، والطفلُ أسرعَ في التسرّب،
حتى عادت المشكلة التي
ظننّاها ماضياً إلى
الحاضر.
رُ

سِردَاب الشَوَاهِد

نُسْخَةٌ مِنْهُ إِلَى ؛

وزارة التربية ………………………… للاطلاع والعمل، مع التقدير.
الهيأة العليا لمحو الأمية ……………….. للمتابعة، مع التقدير.
الجهاز التنفيذي لمحو الأمية …………… للتنفيذ، مع التقدير.
وزارة التخطيط وهيأة الإحصاء …..…… للأرقام، لا للتقديرات مع التقدير.
المحافظات ومديريات التربية …………. لأن الأُمّي لا يسكن في بغداد فقط، مع التقدير.
وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ……… لأن الأمية كثيرًا ما تمشي مع الفقر والجهل ، مع التقدير.
وزارتا الداخلية والعدل ……………… لأنهما بالفعل داخل برامج محو الأمية في 2026، مع التقدير.
وزارة المالية ……………………… لأن الخطة التي بلا مال تصبح منشورًا جميلًا ، مع التقدير.
الإعلام الرسمي …………………. لأن حجي راضي سبقنا وفهم أن الخجل من الصف يُهزم على الشاشة، مع التقدير.

نسخةٌ أخيرة إلى من يهمه الأمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

Please consider supporting us by disabling your ad blocker!