باص بغداد الأحمر
حين يضعك العالم بين خيارين أحلاهما مُرّ… اصعد طابقًا..!


باص بغداد الأحمر
رُسل الحسني
صباحُ الخَير. ثَمَّةَ لحظاتٌ لا تكونُ فيها مشكلتُكَ أنّكَ لا تعرفُ أيَّ قرارٍ تتّخذ؛ المشكلةُ أكثرُ إحراجًا من ذلك …
العالَمُ بارعٌ في حيلة. يضعُ أمامكَ بابَيْن، ويقولُ لكَ بأدبِ موظّفِ استقبال: تفضّل… اختر. يقولُ لكَ مديرُكَ: إمّا أن تُنجزَ المهمّةَ الليلة، أو — ببساطة — أنتَ مو ابنَ الشركة. ويقولُ لكَ أحدُهم: إمّا أن توافقَ الآن، أو تنتهي الصفقةُ، وتنتهي معها الحضارةُ البشريّةُ كما نعرفُها. وتقفُ الحياة في الزاوية، وهي أقلُّهم تهذيبًا، وتقول: إمّا هذا الطريق… أو ذاك.
وأنتَ، بحُسن نيّةٍ يثيرُ الشفقة، تبدأُ التفكير فورًا: أيُّهما أقلُّ ضررًا؟ أيُّهما أهونُ خَسارةً؟ أيُّهما يمكنُ ابتلاعُهُ من دونِ ماء؟ كأنّ شخصًا أعطاكَ تفاحةً فاسدةً وبرتقالةً يابسة، ثمّ جلسَ يراقبُكَ وأنتَ تُجري دراسةً جدّيّةً: ما الأفضل بينهما…. وأعني التفاحة الفاسدة أو البرتقالة اليابسة…! ولا يخطرُ ببالكَ السؤالُ الوقحُ الوحيدُ الذي كان ينبغي أن تبدأَ به وبوجه RBF:
مَن قال إنّ هذه هي الفواكه كلُّها؟
وهنا تحديدًا يبدأُ قانونُ باصِ بغدادَ الأحمر. لأنّ بعضَ المآزقِ لا تحتاجُ إلى قرارٍ أذكى، بل تحتاجُ أن تتوقّفَ عن «ركض الوحوش»، وترفعَ رأسكَ قليلًا، وتكتشفَ أنّ للباصِ… طابقًا ثانيًا.
وإذا خطر لك الآن: ما علاقة باصٍ أحمر كلاسيكي بقرارٍ يخصّ وظيفتي، أو زواجي، أو تفاوضي مع شخصٍ يحاصرني بخيارين؟ فهذه بالضبط هي الحكاية التي أخذتُها إلى نهايتها في حلقتي الأخيرة على قناتي في اليوتيوب @bigscis.
هناك شرحتُ القانون كما أحب أن يُفهم: لا كنصيحةٍ جميلة من «أخت كبيرة»، بل كعدسةٍ إذا ركبت في رأسك مرّة، لن تخرج منه…!



والآن… نرجع إلى الطابق السفلي.
تخيّل باصًا أحمر ذا طابقين. في الطابق السفلي يجلس الجميع يتنازعون المقاعد: أيّها أقرب؟ أيّها أنظف؟ أيّها بجانب النافذة؟ لكن المشكلة أن أحدًا لا يسأل: هل هذه هي المقاعد كلّها؟
قانون الباص الأحمر يقول:
إذا حُشرتَ بين خيارين كلاهما مُكلف، فلا تبدأ بالاختيار. اصعد طابقًا، وانظر إلى هندسة القرار نفسه.
فَخُّ الطابقِ السُّفلي
المشكلة ليست دائمًا أنك اخترتَ الكرسي الخطأ. أحيانًا المشكلة أنك دخلتَ الباص، وجلستَ في الطابق السفلي، ثم اقتنعتَ أن المقاعد التي أمامك هي مجموعُ الإمكانات التي خلقها الله في الكون.
حين يرتفعُ الضغط، لا تكبر المصيبة فعلًا… لكنَّ رأسَكَ يصغر قليلًا. تضيقُ زاويةُ الرؤية، وتتقدّم المشكلةُ حتى تكادَ تضعُ أنفَها على أنفك، ويصبح الشيءُ الذي كان قبل ساعةٍ «موقفًا يحتاج إلى تفكير» كارثةً وطنيةً تستدعي اجتماعَ مجلس الأمن.
ولهذا نحتاج صورةً بسيطة؛ صورةً تُسحب من جيب قميصك كـ Cheat Code عند الحَشْرة:
باص أحمر. طابقان. اِصعد.
وهذا ما كانت ستردده بينلوبي في ملحمة الأوديسا لو قرأت مقالنا …
بخصوص بينيلوبي ..
في «الأوديسة» لا تجلس بينيلوبي في قصرها وهي تشكو الحظ. كان يمكنها ذلك، وكان يمكن أن تقول: يا جماعة الخير، زوجي غائب، وابني صغير، ومئة وثمانية رجال في البيت، وأنا متعبة. وهو كلامٌ مفهوم جدًا، لكن هوميروس لا يبني الملاحم من الشكاوى.
الخُطّاب أمامها، والسؤال جاهز: أيَّ واحدٍ ستختارين؟
لاحظوا الوقاحة الصغيرة هنا. هم لم يسألوها: هل تريدين الزواج أصلًا؟ ولا: هل هذا هو الوقت المناسب؟ ولا: هل شروط اللعبة مقبولة؟ قفزوا مباشرةً إلى السؤال الأخير، وأعطوها ورقة اقتراع: تتزوج؟ أم ترفض؟
في الحالتين فاتورة. إن وافقت، دخلت في لعبةٍ لم تصمّمها وخسرت عرش أهل زوجها و ابنها. وإن رفضت، فتحت على نفسها بابًا مع أقوى بيوت الجزيرة. وهنا لم تفعل بينيلوبي الشيء الذي نفعله عادةً تحت الضغط: لم تختَر «أقلّ المصائب سوءًا».
هي ببساطةٍ عبثت بالساعة. قالت، بكل حيلة: سأختار… لكن ليس الآن. حتى أنتهي من نسج الكفن. في النهار تنسج، وفي الليل تفكّ. الخُطّاب ينامون، والوقت لصالحها.
وهذه هي النقطة التي تهمّنا. بينيلوبي لم تكن قادرةً على إزالة الرجال من القصر بقوة ذراعها، لكنها كانت قادرةً على تغيير متغيّرٍ واحد: متى يقع القرار؟
والزمن ليس دائمًا ساعة معلقة على الحائط؛ أحيانًا هو أحدُ أطراف الحل و المشكلة. فالمعلومة التي لا تملكها اليوم قد تصل غدًا، والطرف الواثق اليوم قد يرتبك بعد أسبوع، والصفقة التي تبدو نهائيةً عند الرابعة قد تصبح قابلةً للتفاوض عند التاسعة صباحًا، بعد أن يشرب الجميع قهوتهم ويستعيدوا آدميّتهم.
ولهذا فإن «ليس الآن» ليست دائمًا هروبًا من الجواب. أحيانًا تكون هي اللحظة التي تستعيد فيها حقك في صياغة السؤال.
حقك في الصعود طابق …
بروتوكول «اِصعد طابقًا»
لا أريد من قانون الباص الأحمر أن يعيش كاقتباسٍ جميل في آخر المقال أو في حلقة «بينيلوبي»، ثم يموت مساءً أمام أول رسالة من المدير. نريده أداة. شيئًا يُستخدم. حين تشعر أن أحدًا أغلق عليك البابين وقال لك «اختر»، لا تتجمد! ليس منكرًا ونكيرًا! وإنما من حقك أن تسأل بدل السؤال… أربعة أسئلة.
1. مَن صمّم الخيارات؟
هذا السؤال قليل الأدب، ولذلك هو مفيد. لماذا هذان الخياران تحديدًا؟ أحيانًا لا تكون محاصرًا بين خيارين. أحيانًا أنت محاصر داخل صياغة ملعونة. والصياغة أخطر من الخيار؛ لأنها تعمل قبل أن تبدأ التفكير. تستغفلك!
تطلبُ برغرًا فقط. موظف الكاش لا يقول: «تريدها كومبو؟» يقول: «ميديم لو لارج؟» وفجأةً صرتَ تختار حجمَ وجبةٍ… أنتَ أصلًا ما كنت ناوي..!
2. لِمَن تعمل الساعة؟
الساعة ليست محايدة دائمًا. بعض الناس يحبون القرار العاجل لأن الزمن إذا طال… ستبدأ تفكر. وهذا مزعج جدًا لمن رتّب غرفة الاجتماعات قبل وصولك.
لذلك اسأل: لماذا الآن؟ ماذا يحدث لو انتظرت ساعة؟ ماذا يحدث لو نمت على القرار ليلة؟ ما المعلومة التي يمكن أن تظهر؟ وما الشيء الذي قد يخسره الطرف الآخر إذا لم أجب فورًا؟ التأجيل هنا ليس أن تضع المشكلة في درج المكتب حتى تتكاثر وتُنجب مشاكل صغيرة. التأجيل المفيد يعني أن الزمن دخلَ إلى اللعبة ليعمل لصالح أحد الأطراف.
«ليس الآن» ليست رخصة للمماطلة ..!
لحظة لحظة … وقف الباص ..!
هناك شخصًا سيقرأ كل ما سبق، ثم يضع لنفسه سبع مهام تحت عنوان: استراتيجية بينيلوبي. ويؤجل القرار للمالانهاية.
لا يا عزيزي. هذه اسمها مماطلة.
الفرق بسيط: التسويف يمرّر الوقت ولا يغيّر شيئًا. أما الانتظار الذكي فيمرّر الوقت لأنك تتوقع أن يتغيّر شيء: معلومة، عرض، سعر، موقف، ميزان قوة، وضوح، خيار.
إذا انتظرت ثلاثة أيام وكنت في اليوم الثالث تملك ما كنت تملكه في اليوم الأول بالضبط، فأنت لم تصعد الطابق الثاني. أنت فقط نمتَ في الباص وراسك عالشباك.
3. مَن يدفع الكُلفة؟
كل قرار له فاتورة، وبعض الفواتير يوَرّط بها شخصٌ آخر عمدًا. لا تكن هذا الشخص..!
مديرك يريد المهمة الليلة؟ جميل. ماذا سيتأجل؟ كم ساعة إضافية؟ ما الذي سينتقل من الغد إلى بعد الغد؟ ما المقابل؟ … ورّق!
فالخيار الذي يبدو «بسيطًا» قد يكون بسيطًا فقط لأن أحدهم أزال ستكر التسعيرة بإظفره، بينما السعر قد يكون: ثماني ساعات من وقتك مع العائلة…! أو شعورًا بالعبودية. قلت شعورًا لا أكثر… لكنه سينتهي بتقلصات حادة في القولون..!
4. مَن كتبَ تعريفَ الفوز؟
هذه أجمل الحيل الصغيرة. «أريدها اليوم.» ما هي «ـها»؟ نسخة نهائية؟ مسودة؟ نقاط أولية؟
«أريد التزامًا.» ما معنى الالتزام؟ أن أبقى إلى منتصف الليل؟ أم أن أسلّم شيئًا جيدًا في موعدٍ واقعي؟ إذا أردت أن تُطاع فاطلب ما يُستطاع!
أعطني أفضل نتيجة.» أفضل حسب أي معيار؟ وما معنى «أفضل» أصلًا؟
| الطابقان
| — | أنت في الطابق السفلي | أنت في الطابق العلوي |
|---|---|---|
| السؤال | أيُّ الخيارين أختار؟ | مَن قال إنهما الخياران الوحيدان؟ |
| الزمن | يجب أن أحسم الآن | لماذا الآن؟ ولصالح مَن؟ |
| الكُلفة | أتحمّل المطلوب كما قُدِّم | أين الفاتورة؟ ومَن سيدفعها؟ |
| المعيار | أنجح وفق تعريف جاهز | مَن كتب تعريف النجاح؟ |
| الهدف | الخروج بأقل خسارة | توسيع مساحة القرار |
احفظ الجدول إن أحببت. لكن إن كنت مثلي وستنساه قبل أن تغلق التبويب، فاحتفظ بجملة واحدة:
إذا ضاقت الخيارات… اترك الطابق الأول و اصعد للطابق الثاني.
الخامسةُ إلّا خمسَ دقائق
الساعة 4:55. والبصمة أمامك، والروح سبقت الجسد إلى البيت، وتصل الرسالة:
URGENT. ASAP.
هاي شنو؟!
كلمتان إنجليزيتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان وتستطيعان، في بعض الشركات، ابتلاع أمسيةٍ كاملة لموظف.
«subject : URGENT ASAP : أحتاج هذه المهمة الليلة. أريد أن أرى Commitment.»
= أريد أن أكشخ أمام البورد ..!
وهنا يبدأ الطابق السفلي عمله فورًا: إمّا أن أنفذ أو أبدو غير ملتزم. إمّا أن أنفّذ أو أصبح الشخص الذي «لا يتحمل الضغط».
دقيقة. لا تُجب بعد. اِصعد.
إذا أصبحت هذه المهمة أولويةً الليلة، فما الذي نؤجله؟ هل المطلوب Draft أم Final؟ هل العمل الإضافي متوقّع ضمن الخطة أم طارئ؟ متى تحتاجه فعلًا: الليلة أم قبل اجتماع الصباح؟
انظر ماذا حدث. الرسالة التي كانت قبل لحظةٍ: نفِّذ… وإلّا فأنت عبدٌ آبق في مزارع جورجيا. تحولت إلى: ما المطلوب؟ متى؟ على حساب ماذا؟ وبأي معيار؟
لم تُشعل ثورةً في الشركة، ولم تكتب بيان استقالة، وكرامتك وكبرياؤك في الحفظ والصون..! كل ما فعلته أنك منعتَ إيميلًا كُتب في ثلاثين ثانية من أن يأكل ساعات من مسائك. عمياوي..!
قصاصة الجيب
لا تحفظ المقال. أنا شخصيًا لا أثق بذاكرتي إلى هذه الدرجة. احفظ هذه الكلمتين:
PENELOPE MODE = الوقت. الكُلفة. المعيار. الخيار
ثم اسأل: هل أنا أختار فعلًا… أم أتحرك داخل قائمةٍ كتبها شخصٌ آخر؟
إن استطعت أن توسّع القائمة، وسّعها. إن كان الزمن يخدمك، اشترِه. إن كانت الكلفة مخفية، ضعها على الطاولة. وإن كان معيار النجاح مكتوبًا بخطّ غيرك، اسأل إن كان يحق لك حمل القلم.
هذه هي المسافة بين انعدام الحيلة وسعة الحيلة. ليست الحيلة أن تصبح أكثر خبثًا، ولا أن تدخل كل اجتماع وأنت تشك في الماء والكراسي وأجهزة التكييف. الحيلة، في معناها الأنظف، أن ترفض الاعتقاد بأن أول صورةٍ عُرضت عليك هي الصورة الكاملة.
في الطابق السفلي ترى الكرسي. ومن الأعلى ترى المقاعد، والسُلَّم، والباب، والسائق، والاتجاه والطريق. وربما تكتشف، بعد كل هذا التفكير، أن الباص نفسه لا يذهب إلى المكان الذي تريد.
وهنا يصبح النزول خيارًا أيضًا.
ذلك هو قانون باص بغداد الأحمر:
حين يحشرك أحدهم بين خيارين، لا تبدأ بالسؤال: أيهما أختار؟ ابدأ بسؤالٍ أعلى: مَن قرر أنني لا أملك غيرهما؟ ثم اطرح الخيار الثالث!




