بَابُ الخَلْق〔 عِرَاقِي 〕
وثّق العالم حروب العراق. لكن مَن يوثّق الحياة التي جرت بينها؟
في بيتٍ عراقي ، لا تحتاج الحكاية دائمًا إلى بروتوكول معقد ، قد تبدأ بإستكان شاي ، أو (قنفة) خشبية جلس عليها ثلاثة أجيال ، أو صورةٍ قديمة معلّقة في مكانٍ لا تصل إليه كاميرات نشرات الأخبار.


مِنْ سِيَرِ النَّاسِ وَالْمُدُنِ
بَابُ الخَلْق〔 عِرَاقِي 〕
رُسُل الحَسَني
العراق الذي لا تحفظه كتب التاريخ
وجوهٌ.
⠀حكاياتٌ.
⠀⠀وDNA حضارتين.
تتوقف أمام الصورة، تسأل صاحب البيت : مَن هذا الواقف فيها؟ فيفتح الرجل فمه، ويُخرج من وراء إطارٍ صغير عمراً كاملاً؛ حكــــــــــــــاية!
أريد لهذا المشهد أن يصبح برنامجًا عراقياً.
شيء من روح (باب الخلق)، البرنامج المصري الذي يأخذ فيه الأستاذ محمود سعد مشاهديه إلى بيوت الناس وأماكنهم الأليفة، شخصية شديدة الحساسية للبشر، راوٍ من داخل الحكاية، عاش ما عاشوه، ويعرف متى يسأل، وكيف يسأل، ومتى يترك للحكاية أن تأخذ مجراها، يحمل دفتر سيغموند فرويد معه، لا ليمارس التحليل النفسي، وإنما لينصت باهتمام إلى ما فعلته الحياة بالناس، ويكشف لنا ندوبهم تحت قميص الصبر، ويلتقط معدنهم المدفون تحت رماد المعارك اليومية الصغيرة. ببساطة، إنسانٌ من باب الخَلْق، ومن الخَلْق.
يُشعرك أنك ذاهب إلى مقابلةِ ابن خالته الطبيب، أو بنت عمّه التي بنت تجارتها من الصفر، الى المجهول في الأرض والمشهور في السماء، نحتاج إلى هذا الدفء في العراق، لا تقديم متكلّف، ولا مزهريةٍ جديدة من مزهريات البودكاست، ولا تحقيقٍ يخشى فيه الضيف أن تزلّ كلمة من فمه، فيُراق منها شيء من ماء وجهه على أرض الشعبة الخامسة – عفواً – البودكاست.
نُسنِد خدودنا إلى راحات أكفّنا مع عبارة (كمِّل… إحنا نسمعك).
لكن حاجتنا إلى هذا النوع من الحكايات تتجاوز الحنين إلى البرامج التلفزيونية الجميلة. هي حاجةٌ للتوثيق الإنساني.
ثمة جزءٌ من تاريخ العراق الحديث لا يمكن فهمه من خلال نشرات الجزيرة و CNN ووثائقيات ادم كورتيس ومقالات جون بيلجر وروبرت فيسك ، فالموضوع يتعدى ما حدث للبلاد، وإنما كيف عاش الناس ما حدث للبلاد.
⁂
〔 صُندوق الذّكريات 〕
خذ عراقيًا افتراضياً وُلد عام ١٩٧٠.
في العاشرة، دخلت الحرب العراقية الإيرانية عليه البيت: (كوم بدّل!) عندنا ثماني سنوات لنقضيها معاً! ثم تسليم يد ليد، كانت حرب الخليج تنتظره عند أول الشباب، ومن العشرين إلى الثالثة والثلاثين، عاش تحت العقوبات؛ يكبر هو عامًا، وتصغر قدرات العراق عاماً.
في الثالثة والثلاثين، سقوط النظام، الدولة فقدت الذاكرة، وستُطوى طي السجل في ساعات، وفي الرابعة والأربعين، الحرب مرة أخرى … لكن من ريحة العصور الوسطى .. هذا ولم نحسب أيام الأسبوع، القاموس العراقي فيه الأحد الدامي، الاثنين الأسود، الثلاثاء الكحلي… ولا الأيام الحلوة التي سرقها العراقيون من ذلك الشريط الزمني القاتم.
هذا العراقي لا يحتاج إلى سيرة ذاتية، يكفيه أن يقول: ناجٍ من أربع حروب، وخمسة انقلابات، وحرب أهلية، وما تبقّى من كسورٍ يُحسب فِكّة!
وانا وإياك نتفهم هذه الضريبة ؛ الانسان العراقي لم يكن كومبارسًا في التاريخ، ظلّ طويلًا في مركز الأحداث فصار عدد كبير من أبنائه يحملون في صدورهم أرشيفًا لا تسعه المكتبات، سيرفرات بشرية رحلت، وأخرى سترحل، قبل أن نعرف شيئًا عمّا اختزنته من حيوات.
فماذا يحدث لنفسٍ بشرية حين تعيش كلَّ هذه الأعمار في عمرٍ واحد؟
وكيف تصنع لنفسها حياةً بين حربٍ وحرب؟
لمَ لا نفتح تلك الدور مرةً أخرى، أن نجلس مع أهلها، ونسمع منهم، ونتركهم يفتحون مستودعاتهم الشخصية؛ ما احتفظوا به من صور ورسائل من الجبهة ونكات وأسرار عائلية، هذه ليست تفاصيل هامشية، إنها ما كان يحدث في العراق بينما كان العالم مشغولًا بما يحدث للعراق.
⁂
〔 إنسانٌ سقطَ من الكادر 〕
التاريخ مولع بالكبار، بالرؤساء والجنرالات والمعاهدات والجيوش، أما الرجل الذي أمضى نصف نهاره ينتظر قنينة غاز، والمرأة التي قسّمت راتبها بين الدواء والطعام، والطفل الذي يلعب بكرة النايلون (اللايلون) المُعاد زليار مرة، والموظف الذي اتصل بمدير دائرته يوم انهار النظام ليسأله عن الدوام، والأب الذي طار بزوجته وهي في المخاض إلى مستشفى ولادة عبر مدينة تتنازعها الحواجز الطائفية والدوريات الأميركية ومسلحو القاعدة، فهؤلاء لا مكان لهم في كتب التاريخ، مع أنهم لم يصنعوا الحروب، وإنما قضوا أعمارهم يتدبّرون العِيشة بينها.
وكيف كان يبدو يوم عادي حلو وجميل في بلد لا يعرف الأيام العادية؟ نحن بحاجة إلى ذاكرة عراقية أوسع من مستودع المآسي، كيف عاش الناس، لا فقط كيف ماتوا، وخمّنوا، هناك محاولات جادة فعلًا في العراق؛
مشروع للتاريخ الشفهي أشرف عليه المعهد الأكاديمي للأبحاث في العراق أجرى مقابلات مع 181 عراقيًا من مجتمعات المهجر، وهناك (قصص عراقية) التي جمعت عشرات الساعات من الشهادات المصوّرة والمسموعة، و(عين الموصل) التي بدأت من داخل مدينة تعيش الحرب ثم تحولت إلى أرشيف للمدينة وذاكرتها.
لكن ستظهر مشكلة أخرى لا تحلها كاميرا 4K: الثقة.
⁂
〔 جمهوريةُ الصَمت 〕
قد تحكي امرأة ساعة كاملة، ثم تتوقف عند جملة وتقول (هذه لا تنشروها)، انتهى، هنا تقف الكاميرا، وقد يصل رجل إلى اسم فيبتلعه، فلا تسحبوه منه بالملقط لأن القصة صارت (Juicy)، والخوارزمية تشمّ رائحة الترند، خوارزمياً؟ ممتاز، أخلاقياً؟ مو دائماً، فبعض الذكريات ما زالت لها عواقب.
والعراقيون يعرفون هذا النوع من الصمت جيداً، الأستاذ محمد حديد، السياسي والاقتصادي ووزير المالية بعد ثورة ١٩٥٨، وأحد إنجازاته التي لا تحتاج إلى وزارة أنه أنجب زها حديد، عاش الرجل ما يكفي ليشهد فصولاً من تاريخ الدولة العراقية الحديثة، وحين ألحّت عليه عائلته في التسعينيات أن يكتب مذكراته، وافق مرة، ثم لم يكتب حرفاً، ووفق ما رواه ابنه فولاذ، لم يشأ أن يدوّن شهادته وصدام حسين والبعث ما زالا يحكمان العراق، فضلاً عن أن أوراقه ومكتبته بقيتا في بغداد.
وفي ١٩٩٧، وقد بلغ نحو التسعين، جلس أخيراً أمام جهاز تسجيل، وأمضى قرابة عامين يملي ذاكرته، لكنه اشترط شرطاً واحداً، (انشروها بعد أن أموت)، توفي سنة ١٩٩٩، ولم تصدر مذكراته حتى سنة ٢٠٠٦، وهكذا وجد العراق شاهداً مستعداً للكلام، بشرط ألا يكون حياً حينما تقرأون ..!
وهنا المفارقة، نحن نطالب الناس بالشهادة، لكن أين حماية الشهود؟ وحتى بعد سقوط النظام لم تختفِ مخاطر الكلام، فقد دخل العراق زمناً جديداً تتنازع فيه الذاكرة مفردات (البعث) و(اجتثاث البعث)، وصار للاعتراف حساب آخر، ولهذا لا يجوز أن نتعامل مع الشاهد كدرج صدئ استعصى فتحه، فنضاعف الشد حتى ينخلع.
هذه من أبجديات منهج (Trauma-Informed Journalism) وأخلاقيات التاريخ الشفهي، وتدريب الصحفيين والوثائقيين على الموافقة المستنيرة، وحماية هوية الشهود، وتقدير عواقب النشر، واحترام حق الراوي في الامتناع، فالتوثيق ليس مهارة استخراج الشهادة وحدها، وإنما مسؤولية عمّا قد يحدث لصاحبها بعد بثّها.
⁂



〔 العِراقُ الآخر 〕
ثم هناك العراق الموزّع على قارات الأرض.
في لندن وملبورن وديترويت، عراقيون يواكبون أحدث ما تنتجه التكنولوجيا، وتفوتهم آخر اختراعات بغداد من الشتائم والقفشات والميمز وفنون التحشيش والترول، تصلهم أخبار الوطن أولاً بأول، ولا تصلهم اللغة التي اخترعها أهله للسخرية منها، وفي بيوت المنافي ما زالت بغداد الستينيات تعيش تحت ألسنة الجدّات، بمفردات بغدادية معتّقة لم تعد بغداد نفسها تستعملها، وبين جيلين لا يفهم أحدهما قاموس الآخر، بقيت كلمة واحدة لا تتغير ولا تحتاج إلى ترجمة: بيبي!
⁂
〔 زَكِي مُبارَك وَالبابُ المُغْلَق 〕
في ثلاثينيات القرن الماضي، جاء ابن الحضارة الشقيقة الأديب المصري زكي مبارك إلى بغداد هارباً من (جحيم الظلم) في القاهرة.

وصل وفي مخيلته مدينة الخلفاء، والشعراء، والقصور التي قرأ عنها؛ شاغلة الدنيا، لكنه وجد بين بغداد التي تخيّلها وبغداد التي رآها مسافةً ضوئية ، وهاج عليه (سعير الوَجد) حتى كتب في (وحي بغداد):
(وهممتُ بأن أقترح على رئيس الحكومة العراقية هدم هذه المدينة وبنائها من جديد).
كلنا فكرنا يا زكي مبارك ، كلنا، البضاعة لا تطابق المواصفات المذكورة في الكتالوج.
ثم حدث ما لم يتوقعه، دخل بيوت البغداديين، وجالس أهلها، واكتشف وراء خشونة العمران رقّةً لم يرها من بعيد، الحنيّة صناعة عراقية بإمتياز، لذا سيكتب عن بيوتها القديمة: (ولن أنسى طول حياتي ما لقيت في تلك الدور الجافية من عذوبة الأرواح وصفاء القلوب). وفي تلك البيوت وجد ناسًا عبروا المحن، وحفظوا في صناديق أنفسهم وجداناً خاصاً رغم تصاريف الزمان، ثم عاد إلى القاهرة، ولعلّ في خاطره بيت أسامة بن منقذ: (وما كنتُ أهوى الدارَ إلا لأهلِها).
⁂
〔 مَن يفتحُ بابَ الخَلْق؟ 〕
أتصوّر برنامجًا لا يبدأ بالسؤال عن أصعب يومٍ في حياة الضيف، ولا ينتظر الدموع بوصفها دليلًا على نجاح الحلقة، يجلس الراوي مع امرأةٍ مسنّة فتتحدث أولًا عن شجرة التكي وشجيرة الرازقي التي كانت في بيت أهلها وعرائش العنب. ويقضي معها نصف ساعة في الحديث عن الجيران، والمطبخ، والأسماء المنسية للأشياء، قبل أن تأتي الحرب في سياق الحكاية إن أرادت هي الحديث عنها، وقد يذهب إلى جرّاح عراقي في المهجر، فيعود معه إلى المعلّم الذي أقنعه بدراسة الطب ومدرسته والروتين الصباحي و المسائي لدربونة بيتهم. وهذا العمل ليس شأنًا عراقيًا خالصًا.
(أعدل جلستي و أتحدث بجدية) ؛
فالبلدان التي شاركت في حروب العراق، أو اتخذت قرارات أثّرت في حياة سكانه، تحتاج هي الأخرى إلى معرفة الإنسان الذي عاش نتائج تلك القرارات.
هناك سبب يجعل هذا الأمر ملحًّا الآن. كلما رحل شخصٌ من جيلٍ عاش تلك التحولات، فقدنا فرصة سماع شهادته بالطريقة التي كان سيختار أن يرويها بها.
ولن يعوّض التسجيلُ كل ما يضيع، لكنه يستطيع الاحتفاظ بصوتٍ وتفصيلٍ وملمحٍ من عالمٍ يتغيّر.

لقد سمع العالم طويلاً عن العراق بوصفه ساحة للحرب، وأريده
أن يجلس – ولو لساعةٍ واحدة – في غرفة جلوسٍ عراقية،
وأن يعرف مَن كان يسكنها، ويسأل عن
الصورة المعلّقة على الجدار،
ثم يصمت قليلاً،
فخلف الصورة…
حكاية
رُ
والآن … إشرب شايك :

سِردَابُ الشَواهِد :
- باب الخلق – محمود سعد
- ذاكرتي الحية.



